دراسة حالة: إنقاذ موقع أبو مينا الأثري

مقدمة:
تُعتبر منطقة آثار أبو مينا، المُدرجة ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي، واحدة من أهم الكنوز التاريخية والدينية في مصر. هذا الموقع، الذي يحمل أهمية خاصة لإخوتنا الأقباط كمقصد ديني وسياحي، واجه تحديات بيئية جسيمة كادت أن تفقده مكانته العالمية. تسلط دراسة الحالة هذه الضوء على الجهود العلمية والمؤسسية المُنسقة، بقيادة الدكتور رمضان أحمد موسى، والتي نجحت في إنقاذ الموقع وإعادته إلى المسار الصحيح نحو الاستعادة الكاملة.

خلفية عن الموقع:
يقع موقع أبو مينا الأثري في نطاق مدينة برج العرب بمحافظة الإسكندرية، ويمتد على مساحة شاسعة تُقدر بحوالي 998 فداناً. يحظى الموقع بأهمية دينية عالمية، حيث يفد إليه الزوار من داخل مصر وخارجها، مما يجعله نقطة جذب سياحي وديني فريدة.

التحدي الرئيسي:
على مدار سنوات طويلة، عانى موقع أبو مينا من تدهور بيئي متزايد نتيجة لعدة عوامل متداخلة:

  1. الظروف المناخية الصعبة: الطبيعة المناخية للمنطقة ساهمت في تفاقم المشكلات.
  2. ارتفاع منسوب المياه الجوفية (Groundwater Table): أدى ذلك إلى إضعاف التربة وتوفير بيئة خصبة لنمو النباتات.
  3. غياب التدخل المُمنهج: لفترة طويلة، لم تكن هناك خطط فعالة لمواجهة هذه التحديات.
  4. الانتشار الكثيف للنباتات: نتيجة للعوامل السابقة، تحول الموقع إلى ما يشبه غابة شبه استوائية، حيث انتشرت النباتات بأنواعها المختلفة (الحولية، ذات الحولين، والمعمرة)، بما في ذلك الأشجار الضخمة والشجيرات والحشائش، وحتى نباتات الزينة والنباتات الصحراوية، لدرجة أنها غطت المعالم الأثرية بالكامل.
  5. قيود اليونسكو: فرضت إرشادات اليونسكو تحديات إضافية، حيث يُمنع استخدام أي آلات قد تُحدث خلخلة للتربة (Soil Disturbing Machinery) أو معدات ثقيلة لإزالة الأشجار الكبيرة، كما يُمنع اللجوء للحرق كوسيلة أولية للتخلص من النباتات.
  6. خطر الشطب من قائمة اليونسكو: كان التهديد الأكبر هو احتمالية شطب الموقع من قائمة التراث العالمي، مما يمثل خسارة فادحة لمكانة مصر السياحية والتراثية.

التكليف وبداية التدخل العلمي:
في عام 2022، تم تكليف الدكتور رمضان أحمد موسى، الأستاذ الباحث بمركز البحوث الزراعية، من قِبل وزارة السياحة والآثار، ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ومحافظة الإسكندرية، وإدارة دير أبو مينا، بزيارة الموقع وإعداد تقرير علمي شامل. هدف التقرير إلى تشخيص حجم المشكلة بدقة وتقديم توصيات وخطة عمل متكاملة لإعادة تأهيل المنطقة واستعادة رونقها الأصلي.

التشخيص الميداني ووضع الخطة:
أظهرت الزيارة الميدانية الأولية للدكتور رمضان مدى تعقيد الوضع. التعامل مع الموقع لم يكن بالمهمة السهلة، خاصةً في ظل قيود اليونسكو والتهديد الماثل. بناءً على هذا التشخيص، تم إعداد التقرير الفني الأولي والتوصيات، ورُفِع للجهات المعنية، بما في ذلك رئاسة الجمهورية.

نقطة التحول: الدعم الرئاسي وتضافر الجهود الوطنية
شكّل تدخل فخامة السيد رئيس الجمهورية في هذا الملف نقطة تحول حاسمة. فقد أولت الرئاسة اهتماماً استثنائياً لحماية موقع أبو مينا، إدراكاً لأهميته كأحد الرموز التاريخية والدينية البارزة في مصر. تحركت مؤسسة الرئاسة بسرعة لتفادي أي تهديد بشطب الموقع من قائمة اليونسكو.
وبناءً على ذلك، تم تشكيل فريق عمل رفيع المستوى، بتنسيق كامل بين كافة الجهات المعنية، وعلى رأسها:

  • وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي
  • وزارة السياحة والآثار
  • محافظة الإسكندرية
  • قيادة المنطقة الشمالية العسكرية
  • إدارة دير أبو مينا

هذا التدخل الرئاسي لم يكن مجرد دعم، بل كان بمثابة قوة دافعة ومحفزة لجميع الأطراف على الأرض، مما أدى إلى تكثيف الجهود وتذليل كافة العقبات التي قد تواجه العمل الميداني، بهدف إعادة الموقع إلى مكانته اللائقة.

الخطة العلاجية التفصيلية وتطبيقها:
في أكتوبر من العام (2024)، تم التواصل مجدداً مع الدكتور رمضان موسى للوقوف على آخر المستجدات الميدانية وتطوير خطة شاملة للتعامل مع النمو النباتي الكثيف. تضمنت الخطة مراحل متتالية ومدروسة بعناية:

  1. التدخل الميكانيكي (Mechanical Intervention): إزالة النموّات النباتية الكبيرة والشجيرات باستخدام طرق يدوية ومعدات خفيفة لا تضر بالآثار.
  2. نقل المخلفات: تم نقل جميع المخلفات النباتية خارج نطاق الموقع الأثري بالكامل.
  3. الحرق المتحكم فيه (Controlled Burning): بعد الحصول على الموافقات اللازمة، تم إجراء عمليات حرق متحكم فيها لمخلفات النباتات وبذورها المتبقية في التربة السطحية، وذلك لمنع إعادة نموها.
  4. استخدام مبيدات متخصصة: تم اختيار مبيدات ذات معدل تحلل سريع (Rapid Degradation Rate) لضمان عدم تأثيرها سلبًا على المنشآت الأثرية، خاصةً عند سقوط الأمطار في فصل الشتاء وظهور موجات جديدة من النباتات.

النتائج والإنجازات:
بفضل الله، ثم المتابعة الدقيقة والزيارات الميدانية المنتظمة من قِبل الدكتور رمضان وفريق العمل، وخاصة في منطقة الـ 50 فداناً الأولى التي تم البدء بها، تحققت نتائج ممتازة. وأبرز هذه النتائج:

  • تقييم إيجابي من اليونسكو: كانت زيارة وفد اليونسكو الأخيرة للموقع مبشرة للغاية، حيث أشاد الوفد بالجهود المبذولة والتقدم المحرز.
  • رفع الموقع من القائمة الحمراء: تم التأكيد على أن الموقع في طريقه للاستعادة الكاملة لوضعه الطبيعي، وعليه، تم رفعه من قائمة مواقع التراث العالمي المهددة بالخطر (القائمة الحمراء) لدى اليونسكو.

الوضع الحالي والخطوات المستقبلية:
على الرغم من الإنجاز الكبير الذي تحقق، لا يزال العمل مستمراً لإزالة باقي النموّات النباتية والشجيرات في المساحات المتبقية من الموقع. كما أن هناك خططًا للبدء في عمليات الترميم وإعادة التأهيل الشامل (Restoration and Rehabilitation) للمنطقة الأثرية بأكملها. والحمد لله، تسير هذه الجهود بخطى ثابتة نحو تحقيق الهدف النهائي.

الخلاصة والتوصيات:
تُعد تجربة إنقاذ موقع أبو مينا الأثري نموذجًا ناجحًا للتعاون المثمر بين الخبرة العلمية، والإرادة السياسية، والتنسيق المؤسسي. لقد أثبت هذا المشروع أن التحديات البيئية المعقدة، حتى في المواقع الأثرية الحساسة، يمكن التغلب عليها من خلال التخطيط العلمي الدقيق، والالتزام، وتضافر جهود كافة الأطراف المعنية.

شكر وتقدير:
نتوجه بخالص الشكر والتقدير لجميع الجهات التي ساهمت في هذا النجاح الباهر – بدءاً من رئاسة الجمهورية، ومرورًا بالوزارات المعنية (السياحة والآثار، الزراعة)، ومحافظة الإسكندرية، وقيادة المنطقة الشمالية العسكرية، وإدارة دير أبو مينا، ووصولًا إلى كل فرد من العاملين بالموقع. لقد بذل الجميع مجهودًا عظيمًا يستحق كل الثناء، لإعادة موقع أبو مينا الأثري إلى مكانته التاريخية والدينية والسياحية المرموقة.

إعداد:
د. رمضان أحمد موسى
أستاذ باحث – مركز البحوث الزراعية.

قم بمشاركة المحتوى

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Telegram
Email
Print